الجمعة، 20 نوفمبر 2015

بِحار بلا سندباد....بقلم الشاعر / حسن منصور



بِحار بلا سندباد
غــرِقَ السّـنْدبــادُ مــنذُ زمــانِ || وطَـــوى الْمـــوْجُ زورَقَ الرُّبـّــان
ومـضَـتْ ذكـــريــاتُــه كَـخــيـالٍ || أو كَـطـــيْـفٍ يُـلِــمُّ بالأجْـــفـــانِ
وكـأنَّ البحــــارَ لَـم تَـرَه يـوْمـــاً || ولا صــارعَ العُـــبــابَ الـْقـــــانِي
أنْكــرَتْــهُ شـواطِــئٌ عــرَفــتْـهُ || خَــذلَــتْهُ مَــواكــبُ الـرُّكْـــبـــان
وتلاشَتْ سيماهُ في كلِّ عـينٍ || وامَّــحى صــوتُــه مـن الأذْهــان
غــرقَ السّندبــادُ وهـوَ ينـادي || مُـسْتـثـيـراً لِـنَخــوَةِ الشّجْـعـــانِ:
انْشُروا للرّياحِ فضْـلَ شِراعــي || واتْرُكــوهُ يسـيرُ عـــبْرَ الـزّمـــــان
ليُغــطّي كلَّ البحــارِ ويبْــقــى || مــثــلاً ســائـــراً لــكــلّ لِـســان
****
غـرقَ السّـندبادُ وهو شُـجــاعٌ || وطــوَتْـهُ الأمْــواجُ ثَـبْــتَ الْجَــنان
هكـذا الْحُــرُّ لا يُبالِـي الْمَـنايـا|| أوْ يَرى في الْحياةِ أسْمى الْمَعانِي:
رُبَّ مــوْتٍ يـكــونُ عِـزّاً ومَجْـداً || وحَـــيـاةٍ تكــونُ نـبْــعَ الْـهَــــــوانِ.
غـرقَ السـندبادُ دونَ انْـحِـنــاءٍ || وقَــضى وهْــــوَ زيـنَـةُ الفُــرْسـان
كانَ حُـلْـمــاً يَرْويهِ جيلٌ لِجـيلٍ || وفَـخــاراً مُحَـلّـــقــاً في العَــــنـان
في اللّـيالِي والسّــامِـرونَ عـلى شـوْقٍ، وجَــــدٌّ وجَـــدّةٌ يَـرْوِيــــان:
رحْــلـةَ السّندبـادِ عـبْرَ بِحــارٍ || ليسَ فيهـا سوى وُحــوشٍ وَجــانِ
نُبْصرُ السّندبادَ في كلِّ وجْـهٍ || أمَــلاً أشْــرقَـــتْ بـــهِ العَــــيْـنــانِ
تتـَبــاهَى به الْمَجــالسُ حَــيّـاً || مُسْـتـَقــرّاً في مَجـلسِ القُـبْطـان
ونَراهُ فـوقَ السّفـينـةِ يَمْـضـي || في طــريقِ العُـبــورِ نَحـوَ الأَمـــان
عـــرَبِيٌّ في كَفّهِ عـقَدَ العِــزَّ لِـواءً يـزْهـــــو عــلــى الـتّـِيــجـــــــان
عــربِـيٌّ لــه مَــلامِـــحُ نـَسْـــرٍ || شـامِـــخِ الــرّأسِ دائِــمِ الْجَــوَلان
لوّحَــتْهُ شَمسُ البحارِ فأضْحى || سَـمْــهَـريّاً صُلـبــاً قَـويِمَ السِّنان
وأطـلّــتْ عيْنـاهُ منْ كُــوّةِ الْـبُــــرجِ كما تبْدو في الدُّجى نَـجْـمَـتـان
****
ســنـدبـادٌ تَرْويــهِ كلُّ الْحَــكايـا || بـطــلاً فــي شَــبـابِــهِ الــرَّيـّـــان
أو عَــجوزاً على الْجَبينِ سطورٌ || خــطَّــها الدّهـــرُ في جَـبينٍ فــانِ
نَـفــضَ العَـجــزَ والْخُــمولَ أبِيّـاً || ومَشى فـوق الضَّعفِ في عُنْفُوان
يقهَــرُ الْمَــوْجَ والرّيــاحَ ويَـنـقـَـــضُّ إلـى الــرِّزْقِ فـي فــمِ الْحِــيـتان
ثـم تـأْتِي مَــــواكـــبٌ ورجـــالٌ || بالْهَـــدايــا وبِـالّـلآلِــي الْحِـســانِ
****
سندبادٌ ‍‍‍ أيْنَ الرّفــاقُ تَلاشَـوْا || كَتَلاشي السّـرابِ في الْقــيـعــان ‍‍ ‍
أوْ تلاشي الأمْواجِ بعدَ اشْتدادٍ || وعُــلُـــوٍّ والبـحــرُ في هَــيَــجــــان
أين أيّامٌ أصبحَــتْ طيفَ ذكْرى || في زمـــانٍ يَــغَــــصُّ بالأَشْــجـــان
وهي حـلْمٌ قد كانَ حـيّاً مُقـيماً|| في حَـنـايا الصُّـدورِ، في الـوُجْـدان
سـنـدبـادٌ لم يبـقَ مـنك خـيالٌ || أو بَقــأيـا تَرْسـو عـلى الـشُّـطْــآن
لا شِراعٌ ولا سَـفــائِنُ تَجْــري || لا ارتِـحـــالٌ مـــن ســـنـدبـادٍ ثـانِ
أقْفرَ البحرُ من خُـطاكَ وسادتْ || رهـبَةُ الْمــوتِ في رِحــابِ الْمَوانِي
مـاتَ أقْـرانُكَ القُـدامى وَمالـَتْ ||رايــةُ الــعـــزِّ مــــعْ فَــنــا الأَقْـــرانِ
خـيّـمَ الليلُ والسّكونُ وصــارَتْ || قِـصَصُ البحْــرِ في حَـشا النَّسْيان
****
قـومُكَ اليوْمَ للدَّواهي اسْتكانوا|| ورَضُـــوا بالــقُـــعـــودِ والْـخِــــذْلان
جَمُــدَ البحرُ حولَهُـمْ فهــوَ قَـفْرٌ || وتَســاوى بالـــرّمْــــلِ والكُـثْـبـان
ومشَتْ فــوقَــه ذئــابٌ ضَــــوارٍ || واستمرَّت على خُـطى الشَّيْطـان
وأحاطَتْ بِهمْ وحــوشُ البَـراري || وأتـتْـهُــــمْ مـــنْ كلِّ قــــاصٍ وَدانِ
حلّقَ الرُّخُّ(*) فوقَهم فـتَهــاوَوْا || وتــداعَــــتْ جــــوارِحُ العُــقْـــبــان
أمَـمُ الطّيرِ والوحـوشِ اسْتعدَّتْ || لافْــــتِـراسِ الآبــــــاءِ والــوِلْــــدان
أيـهــا السّـندبادُ هـــلْ أنـتَ آتٍ || مـعَ مـــوْجٍ يـنْـشَـــقُّ كالــــْبُـركان
فـنرى الـزّورَقَ الذي كانَ طَيَّ الْمـوْجِ يــأتِـي مـــنْ لُـجّـــةِ النِّـيــــران
ناشراً في السّماءِ أقـوى شراعٍ || باعثاً في النُّفوسِ مـيْـتَ الأَمانِي
*****
__________________
(*) طائر وهميّ ضخم مذكور في قصص السندباد
[من المجموعة الخامسة: ديوان (لمن أغني) ـ دار أمواج 2014م]

التعليقات
0 التعليقات

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

جميع الردود تعبّر عن رأي كاتبيها فقط. حريّة النقد والرد متاحة لجميع الزوار بشرط أن لا يكون الرد خارج نطاق الموضوع وأن يكون خال من الكلمات البذيئة. تذكّر قول الله عز وجل (مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيد).